• الأربعاء. يوليو 24th, 2024

الأزمة المالية العالمية تحتاج إلى حلول مبتكرة

مارس 29, 2023 #الاقتصاد

نشر في: 29 مارس 2023 |

كلمات دالة: الأزمة المالية العالمية, ما هي أسباب الأزمة المالية العالمية, اسباب الازمة المالية العالمية 2023و, الازمة المالية العالمية 2023 اسبابها ونتائجها, لبنك المركزي الأوروبي, اخبار العالم الاقتصادية, تعريف الاقتصاد العالمي, الاقتصاد العالمي, اخبار الاقتصاد العالمي, اخبار الاقتصاد العالمي اليوم, اقتصاد العالم, اقتصاد العالم , انهيار بنوك أميركية,

الأزمة المالية العالمية الحالية ليست تقليدية، وكان يفترض أن تأتي البنوك المركزية الكبيرة، كالاحتياطي الفدرالي والبنك المركزي الأوروبي ، بحلول مبتكرة لمعالجتها.

غير أن البنوك لجأت بدلا من ذلك، إلى استخدام الأدوات القديمة نفسها، وهي أسعار الفائدة. فهل تصلح الأدوات القديمة لمعالجة أزمة غير مسبوقة؟

أسباب الأزمة الحالية، التي تجلَّت في انهيار بنوك أميركية، مثل سيليكون فالي وسيغناتور، وسويسرية مثل (كرديت سويس)، وتعرض بنوك أخرى مثل (فيرست ريبوبليك) إلى مصاعب مالية، هي أزمة مركبة مختلفة عن سابقاتها.

الأزمات السابقة نتجت عن التوسع الاقتصادي المبني على التفاؤل المفرط، والخطط التنموية المتفائلة للشركات المختلفة، والتي تقود في أحيان كثيرة، إلى تفاعلٍ اقتصادي نشيط، وتوسعٍ في التوظيف، يؤدي إلى تصاعد الأجور وامتلاء المخازن بالسلع، والإفراط في توفير الخدمات.

لذلك فإن الحل الواضح هو الحد من السيولة النقدية، وسهولة الحصول على القروض، عبر رفع أسعار الفائدة، الذي يجعل القروض المطلوبة للبدء بمشاريع جديدة مكلفة، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، إقناع المستثمرين بالتريث، لأن احتمالات الاستثمار قد لا تكون مجدية، وإغراء المستهلكين بالادخار وعدم إنفاق أموالهم، لأنهم سيحصلون على أرباح تراكمية من البنوك بسبب ارتفاع أسعار الفائدة.

أما الأزمة الحالية فأسبابها مختلفة. أول الأسباب هو جائحة كورونا، التي اجتاحت العالم عامي 2020/2021، والتي تسببت في إغلاق معظم النشاطات الاقتصادية في العديد من الدول الصناعية، بل حتى في الدول النامية والفقيرة. وقد ترك الإغلاق تأثيراتٍ كثيرةً، منها خلو المخازن من السلع والبضائع، نتيجة التوقف عن الإنتاج في بعض القطاعات لفترات طويلة، وكذلك خلو خزائن العديد من الدول من الأموال، بسبب الإنفاق غير المتوقع على الصحة والبطالة، إضافة إلى المساعدات المقدمة للعديد من الأعمال والمتاجر والمطاعم والفنادق وشركات السفر، لمساعدتها على تجاوز الأزمة.

الأمر الآخر الذي تسبب به الإغلاق، هو تراكم الأموال لدى المستهلكين، الذين منعهم الإغلاق من الإنفاق لعامين كاملين على نشاطاتهم المعتادة، فقد كان السفر متوقفا، وكذلك النشاطات الرياضية والترفيهية والاجتماعية. وعندما انتهى الإغلاق، هرع الناس إلى ممارسة نشاطاتهم المعتادة، وبوتيرة أسرع وأقوى من السابق، فقد كانوا خلال عامين فيما يشبه السجن، فارتفع الإنفاق، الأمر الذي سارع من وتيرة النمو الاقتصادي.

والسبب الثاني للأزمة هو الحرب الروسية الأوكرانية، التي تسببت في رفع أسعار الطاقة، التي تدخل في كل مجال من مجالات الحياة، الأمر الذي رفع أسعار المواد جميعا، وتسبب في رفع معدل التضخم في العديد من الدول الصناعية. كما تسببت الحرب في إعاقة تصدير القمح الأوكراني والروسي الذي تعتمد عليه العديد من الدول، بينما تسببت العقوبات المفروضة على روسيا في عزل الاقتصاد الروسي عن الاقتصاد العالمي.

غير أن رفع أسعار الفائدة لم يؤدِ إلى النتيجة المرجوة منه، وهي إبطاء النمو الاقتصادي وخفض معدل التضخم، والسبب هو أن المستثمرين يرون أن هناك فرصا استثمارية مواتية يجب استغلالها، خصوصا وأن العالم قد خرج للتو من جائحة كورونا، بينما لم يتردد المستهلكون في الإنفاق بسبب تراكم مدخراتهم خلال عامين من الإغلاق.

لذلك واصلت البنوك المركزية الرئيسية إجراءاتها المعتادة في رفع أسعار الفائدة، كان آخرها قبل بضعة أيام، عندما أقدم مجلس الاحتياطي الفدرالي الأميركي والبنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا، على رفع أسعار الفائدة بنسبة 025%، في محاولة منها لكبح التضخم الذي يربك حسابات المخططين الاقتصاديين، سواء في الشركات أو في الحكومات، لأن التضخم يجعل تحديد الأسعار صعبا، والمخططون يحتاجون إلى الاستقرار المالي والاقتصادي الذي يمكِّنهم من تحديد الأسعار، كي يعرفوا مدى جدوى الخطط الاقتصادية التي يضعونها.

لكن أسعار الفائدة المرتفعة تسببت في خلق صعوبات للبنوك، خصوصا البنوك القلقة، أو التي ركَّزت استثماراتها في قطاعات محددة، كبنك (سيليكون فالي)، الذي انهار قبل أسبوعين، وبيعت أصوله لبنك (فيرِست سيتِزِن)، عبر هيئة التأمين الفدرالية، التي استولت على ممتلكاته.

وبموجب الصفقة، فإن (فيرِست سيتِزِن) سوف يتسلم 56 مليار دولار من الودائع، و72 مليار من القروض التي أبرمها البنك السابق.

كما انهارت البنوك التي شابها فساد كبنك (كرديت سويس) السويسري، الذي انتهى به الأمر بأن يستولي عليه بنك (يو بي أس) المنافس، في إجراء اعتبره كثيرون (زواجا قسريا) بين بنكين متنافسين، أحدهما ناجح والآخر متعثر.

وقد تركت تلك الصفقة تأثيراتٍ سلبيةً على بنك (دوتش) الألماني، الذي كان قد تكبد خسائر عام 2016، واتخذت إدارته العديد من الإجراءات غير السليمة. وقد تعرض البنك إلى هجمات بيعية الجمعة الماضية، بسبب قلق المستثمرين على مستقبله، خصوصا بعد صفقة ضم بنك (يو بي أس) لبنك (كريديت سويس)، التي عقدتها الحكومة السويسرية بضمانات عالية وتسهيلات غير مسبوقة (كتقديم خط إئتماني للبنك قدره 110 مليارات دولار).

وفي الوقت الذي اعتبرت فيه رئيسة البنك المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، بأن البنوك الأوروبية مأمونة، وأنها قادرة على الصمود أمام الهجمات البيعية وتدقيق الأسواق، حذرت المديرة التنفيذية لصندوق النقد الدولي، كريستالينا جورجيفا، من أن الاضطرابات الحالية في القطاع المصرفي تشكل خطرا على الاستقرار المالي العالمي. وأضافت جورجيفا التي تزور الصين حاليا، أن الأخطار التي يواجهها الاقتصاد العالمي “آخذة في التزايد في ظل التشدد المالي الحالي”.

وبين كرستين وكرستالينا، صار المستثمرون في حيرة، فهل يصدقون بما قالته كرستين؟ أم بما حذرت منه كريستالينا؟ الحقيقة أن بنك (دوتش)، تجاوز الصعوبات التي مر بها سابقا، وأنه بنك رابح الآن، وأن معظم ودائعه وأسهمه مؤمنة الآن (أو 70% منها على الأقل، حسب مجلة الإيكونوميست)، على العكس من بنك (كريديت سويس) المنهار، كما أن الشركات التي تودع أموالها فيه مازالت متماسكة وناجحة.

لذلك يُتَوَقع أن يصمد بنك (دوتش) أمام تدقيق وتمحيص وضغوط الأسواق. ومن المتوقع أيضا ألا تسمح الحكومة الألمانية بانهيار البنك، لأن مثل هذا الانهيار سوف يزعزع الأسواق العالمية، ويلحق أضرارا هائلة بالاقتصاد الأوروبي، لما للبنك من أهمية في أسواق المال.

ومن الأخطار التي تواجه البنوك، والتي يخشاها العديد من الخبراء، هو استمرار ارتفاع أسعار الفائدة. صحيح أن البنوك تستفيد منها مؤقتا، وهذا ما رأيناه في كشوفاتها للعام الماضي، وبينها بنك (دوتش)، الذي تجاوزت أرباحه ستة مليارات دولار لعام 2022، وهي ضعف أرباحه لعام 2021، لكن ارتفاع أسعار الفائدة هو الذي أودى ببنك (سيليكون فالي).

لكن ارتفاع أسعار الفائدة يخفِّض قيمة السندات الطويلة الأمد، التي تتدنى في العادة مع ارتفاع أسعار الفائدة، والكثير من أصول البنوك هي على شكل سندات. لكن (دوتش)، بفضل القوانين الأوروبية الأخيرة، التي نصت على تأمين السندات، صار في مأمن من هذا الخطر.

ويرى خبراء بأن الفرع الأميركي لبنك (دوتش)، قد يتأثر بانهيار (سيليكون فالي)، خصوصا وأنه يمتلك عقاراتٍ تجاريةً بقيمة 17 مليار دولار، لكن ممتلكاته العقارية، حسب مجلة (إيكونوميست)، مكبلة بديون قليلة، ما يعني أنها ليست في خطر، وإنْ تدنت قيمتها.

الغموض والقلق يسببان ردود أفعال مفرطة، فور بروز إشارات ضعف في الأسواق المالية، كما يقول الخبير المصرفي الإيطالي المخضرم، كورادو باسيرا، أي أن الضغوط البيعية لا تحصل دائما بسبب وجود مشاكل حقيقية، بل قد تتسبب بها مشاكل متخيَّلة.

إصرار البنوك المركزية الرئيسية على اللجوء إلى المعالجات التقليدية لن يقود إلى حلول سريعة، فالمستثمرون والمخططون الاقتصاديون يرون فرصا استثمارية في الاقتصاد حاليا، لذلك لن يتردد كثيرون منهم في استثمارها، خصوصا مع ثقتهم بأن الحكومات لن تسمح بحدوث أزمة مالية، نتيجة لتراكم خبراتها في هذا المجال. أما المستهلكون، الذين تحفزهم مدَّخراتهم على الإنفاق، فكثيرون منهم سيواصلون إنفاقهم في الأمد المنظور.

الرئيس السابق لفرع بوستن لمجلس لاحتياطي الفدرالي، أريك روزِنغرَن، دعا، بين كثيرين، إلى التريث في رفع أسعار الفائدة مرة أخرى، والتي ارتفعت بخمس نقاط مئوية خلال العام الماضي، وهذا الارتفاع هو الأعلى خلال أربعة عقود. لكن مجلس الاحتياطي الفدرالي، تجاهل هذه الدعوات، ولم يجد وسيلة غير رفع أسعار الفائدة لمعالجة التضخم، الذي مازال أعلى من هدف البنك السنوي بثلاثة أضعاف.

لكن رئيس مجلس الاحتياطي الفدرالي، جيروم باول، قال بعد اجتماع أعضائه في 22 مارس الجاري، “إننا سنضعِف الثقة بالبنوك الناجحة، إن لم نجد حلا لمشاكل البنوك المتعثرة”، مؤكدا أن الفدرالي سوف يتمكن من خفض معدل التضخم، وأن “عدم استقرار الأسعار، لن يكون في صالح الاقتصاد”.

أسعار الفائدة المرتفعة سوف تقود دون شك إلى كساد تدريجي، والذي سيقود بدوره إلى خفض معدل التضخم، لكن هذا قد لا يحصل قريبا. لذلك، فإن الحاجة إلى حلول مبتكرة لمواجهة الأزمة المالية، مازالت ملِحَّة، وقد تضطر البنوك المركزية إلى التوقف عن رفع أسعار الفائدة خلال الفترة المقبلة لإعطاء الاقتصاد فسحة من الوقت كي يتكيف في ظل الأوضاع الجديدة. وكما قال أريك روزِنغرَن فإن “الحياة الطبيعية لا بد أن تُستأنف بعد صدمة زلزالية مجلجلة”.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *