• الأثنين. يونيو 17th, 2024

“خطّة لإنقاذ العالم”: طاولة نقدية تقرأ في الرواية الأولى

سبتمبر 6, 2022 #العراق, #قصة قصيرة, #نصوص

في مادّة من عيون موادّه النقدية البارعة على صفحات “العربي الجديد”، وصّف الناقد والروائي الفلسطيني الراحل محمّد الأسعد رواية الكاتب العراقي حسن أكرم (1993) “خطّة لإنقاذ العالم” (الرافدين، 2020) بأنّها “مقامة عراقية في حبّة جوز”. توصيفٌ انطلق فيه صاحب “بحثاً عن الحداثة” (1986) من مقاربة الشكل الروائي عند أكرم، بما هو موجَزٌ لمّاح وساخر، بالطريقة التي تثبُ فيها الكلمات في فنّ المقامات عند بديع الزمان الهمذاني، أو بمشاكَلة أُخرى غير تراثية وأقرب إلى التناصّ مع الآداب العالمية، بالطريقة التي كتبَ فيها بلزاك “الكوميديا البشرية”، إنّما بنسخة مُصغّرة.

ضمن “مشروع أصحاب الرواية الأولى” احتضن “نادي السرد في الاتّحاد العام للأدباء والكُتّاب في العراق – قاعة الجواهري” عند الحادية عشرة من صباح السبت الماضي جلسة نقاشية حول عمل أكرم الروائي “خطّة لإنقاذ العالم”، بهدف الكشف النقدي عن جماليات هذه الرواية، وقراءتها في مشهدية الإنتاجات العراقية الأدبية الجديدة، وذلك من خلال حضور الكاتب نفسه، إلى جانب أوراق نقدية ومُداخلات وتعاليق حولها، من قبل المُشاركين في الجلسة التي أدارها الكاتب رياض داخل.

لا يمكن الحديث عن “خطّة” أكرم دون الإشارة أوّلاً إلى الحسّ الساخر الذي يسم ذلك “الإنقاذ”، ومنه ينسحب إلى “العالم”، إنّها عمليّة تغلّف الوجود بأفكاره وأشخاصه بل تصلح جواباً أيضاً للمساءلة التي توجّه عادةً إلى الأصوات الجديدة التي تُؤثِر السخرية أسلوباً وحكايةً على أن تقدّمَ سرديةً واقعية تحظى بالقبول المُسبَق في الأوساط النقدية، وهذا ما أشار إليه في تقديمه. وهو ما قرأه  محمد الأسعد حين وصف الرواية أنها “خطة للسخرية من العالم، عالم عراق اليوم الذي يبدو شاسعاً، منظوراً إليه بعيني طفل يخفي وراء سذاجته حكمة كاتب مقامات محدث”.

بدأ أكرم حديثه عن تجربته في الكتابة مُشيراً إلى أنّه قد نال فرصتَه عربياً قبل أن ينالها عراقياً، وذلك من خلال القصص التي ينشرها مع “العربي الجديد”، وبوصفه واحداً من موقّعي نصوص الكتابة الإبداعية في القسم الثقافي. لافتاً إلى أنّ هذا التعاون لم يطوّر من أدواته على مستوى الوصول إلى الجمهور ومنح الثقة فحسب، إنّما أيضاً صقلَ لغته ومفرداته، ومن هذه النقطة انتقل إلى إشكالية أعمّ وهي خراب اللغة بعد الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003، وانتقال البلد من نظام ديكتاتورية ذي رؤية أُحادية عن اللغة العربية إلى حالة من الفوضى والإهمال الشامل التي عمّت جيلاً وأثّرت على لغة الأدب.

وعن خطّته لإنقاذ العالم، تحدّث أكرم عن موقعه وموقع عملهِ جيلياً، مستعيناً بأفكار القاص محمد خضيّر الذي يرى أنّ الرواية العراقية تمكن العودة بها إلى قبل مئة عام مع أعمال محمود أحمد السيد إلّا أنّها لم تنتعش كفنّ إلا مع جيل الروّاد مثل فؤاد التكرلي وغائب طعمة فرمان، وهكذا إلى أن فرض واقع الاحتلال ما وصفه أكرم بـ”جيل القطيعة” أغلبُ روائيّيه خارج العراق، ونصوص تقوم على فكرة الامتداد لروايات غربية، وهذا برأيه يُنفّر من اطلاع الآخر على الرواية العراقية لأنّها رواية قد كُتبت بالفعل عالمياً في عصور سابقة، بمعنى أنّ الرواية العراقية باتت نسخة عن رواية أُخرى، من هنا فإنّ مبرّر الكتابة عند أكرم هي العودة إلى الجذر العربي. 

خطّة لإنقاذ العالم - القسم الثقافي

وهناك زاويتان أشار إليهما أكرم في نصّه، هما: مسألة الهامش الذي لم يستخدمه الاستخدام الكلاسيكي في “شرح المفردات” إنّما حاول تسخيره في بناء نصّ مضادٍ عن المتن، ومسألة أُخرى تتعلّق بصوت الراوي الطفل الذي يروي مرحلة مفصلية من تاريخ البلاد التي تتعرّض فيه للغزو والاحتلال من قبل مَن سمّاهم بسخرية على لسان أحد شخصيات بأنّهم “أشرف من الشرف”، في محاولة للابتعاد بالأدب عن الوعي السياسي المُسبَق والتورّط بعوامل المكان أو الزمان.

تضمّنت الجلسة مداخلات وقراءات عدّة في العمل، منها مداخلة الباحث عبد الكريم مصطفاوي، الذي رأى أنّ “الرواية الأولى هي محاولة لاكتشاف الأشياء”، وهي في حالة أكرم بالذات تنحو صوب “روايات التشكيل والسير الذاتي” معتمدةَ في ذلك على موضوعة الحرب، وتكمن حساسية هذه الموضوعة من حيث أنّها متناولة كثيراً في الأدب، إلّا أنّ خصوصية الواقع العراقي تطبع الذاكرة والحياة اليومية بها، وبالتالي فإنّ حضورها في السرد ليس من باب الاستعارات، إنّما استعادة واقعية بشكل أو بآخر. ومن الجوانب الجمالية والإشكالية في آن والتي أشار إليها مصطفاوي، هو العنوان، فالفصل الأول المُعنون بـ”يومَ هبطَ عليّ اسمي” يجدر به لو كان عنواناً للرواية بأكملها لما فيه من إيقاعية، وكونه لا “خطّة” حقيقية وفعلية في العمل.

كذلك تحدّث الناقد عبّاس لطيف عن أنّ الأفكار بحدّ ذاتها مُشتركة وعامّة بين الناس، لكنّ ميزة العمل الأدبي هي في كيفية تحويل العادي، أو الطريقة التي تمكنُ فيه كتابته، وهذا ما يقود للحديث عن الشكل والتقنية والمضمون والمدخل والبناء الفنّي، أمّا الباحث حمدي العطار فذهب في مداخلته إلى أنّ رواية أكرم الأولى استطاعت أن تحوز على عنصر الخيال بوصفه سرّاً من أسرار الكتابة، وإن جاء ذلك على حساب الحَبكة، وهذا نتيجة اقتراب العمل من تأثيرات “تيار الوعي” حيث لا يتحكّم مفهوم العقل برسم الشخصيات وسلوكياتها الغرائبية. 

في حين رأى الباحث يوسف جويعد أنّ “الرواية القصيرة هي نوع موجز خال من الإطناب، وهذا على تشاكُل مع التنوّع السردي ما بين الواقعية والفنتازية، وكذلك الوعي الثقافي حيث تؤكّد رسالة العمل على أن الحب هو الخطّة الوحيدة للإنقاذ”.

المصدر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *