• الأربعاء. يوليو 24th, 2024
داعش

لا يختلف داعش عن التنظيمات الإرهابية التي سبقته في تبني الفكر المتطرف الاقصائي الذي يؤمن بأن تفسيره للإسلام هو التفسير الوحيد للنص المقدس وهو السبيل الوحيد لتفسير العالم والتعامل مع الناس، وأن العنف هو وسيلة شرعية لتحقيق أهداف التنظيم التي لا غبار على قداستها وشرعيتها كما أهمل داعش كل الرؤى والتفسيرات التي صدرت في الماضي والحاضر من فقهاء وعلماء الدين الإسلامي. انعكاسا لهذا الفكر، جاءت الأهداف المعلنة لداعش ومنها إقامة “دولة إسلامية” في العراق وسوريا، في بداية الأمر، وقابلة للتوسع لاحقا وانعكاسا للفكر ذاته، جاءت تسميات أعضاء التنظيم كمحاكاة لأسماء القادة المسلمين من الأزمنة القديمة مثل “أبو حذيفة” و “أبو عتبة” وغيرها من الأسماء العربية الكلاسيكية المأخوذة من بطون الكتب.

العقيدة المعلنة لداعش هي النسخة المتطرفة الإقصائية للإسلام لكن السؤال المطروح دائما هو: هل التزم عناصر التنظيم بهذه العقيدة حرفيا؟ أم أنهم خالفوها واتبعوا مبدأ “الغاية تبرر الوسيلة”؟. بدا التزامهم بالعقيدة كوسيلة برغماتية ناجحة لرسم صورتهم التي أرادوها أمام مؤيديهم ولغرض الحصول على أتباع ومتعاطفين جدد ولغرض تجنيد أعضاء جدد من أوربا. هنالك أكثر من دليل يثبت إنهم وضعوا “العقيدة الإسلامية” جانبا في تعاملاتهم اليومية بعد سيطرتهم على المدن في شمال-غرب العراق وشمال-شرق سوريا. قدم التنظيم خطابا سياسيا متطرفا باعتباره الوحيد الذي يلتزم بالشريعة وكل الفصائل الإسلامية الأخرى والدول الإسلامية برمتها تقع، طبقا إلى هذا الخطاب، في خندق الكفر ولا مانع من تنفيذ عمليات إرهابية فيها فضلا عن العمليات التي تم تنفيذها في البلدان غير الإسلامية. الوقائع أثبتت أن الدواعش قد تركوا العقيدة جانبا ولم ينتبهوا غير تطبيق “الحدود” التي تتطلب العنف فبالغوا في كمية العنف المتبع مع المدنيين والأسرى ومع غير المسلمين وهكذا نفذ التنظيم عمليات القتل الكيفي في الساحات العامة والحرق وغيرها من العقوبات المروعة.

لو سلمنا جدلا أن البغدادي (أو من أتى بعده) هو قائد دولة داعش المزعومة وأنه أتبع نهج المسلمين الأوائل في الفقه والمعاملات، علينا التوقف عند هذا الأمر وطرح اسئلة لابد منها: من بايعه؟ ومن هو جمهوره أو شعبه الذي أوصله إلى منصبه؟ هنالك أكثر من دليل في التاريخ الإسلامي يوضح العلاقة بين الحاكم والمحكوم التي تشبه عقدا بين طرفين يلزم الحاكم إتباع الشريعة ويلزم المحكوم الطاعة في الحرب والسلم. لم يتبع البغدادي (ولا من أتى من بعده) القرآن ولا أحكام الشريعة في تصريف أمور الناس اليومية في الموصل أو في مدن شمال- شرق سوريا ولم يحصل على بيعة طوعية من الناس بل تمت البيعة تحت تهديد السلاح وهذا قطعا إخلال بشروط البيعة. الوقائع تثبت أن آلاف المدنيين قد اضطروا إلى الهروب من بيوتهم إلى معسكرات النازحين في مناطق خارج سيطرة داعش كي لا يخضعوا للأوامر (أو كما أسماها عناصر التنظيم “القوانين”) الاعتباطية التي أصدرها قادة داعش في مدنهم وقراهم والتي خالف معظمها القرآن والشريعة ولم يملك المدنيون العزل حق الاعتراض عليها ومنها على سبيل المثال لا الحصر عقوبة الإعدام لمن يملك صحن الدش الذي يستقبل قنوات التلفزة الفضائية.

خالف التنظيم العقيدة الإسلامية في أكثر من مناسبة ومنها حرق الضحايا وممارسة العنف الجنسي بحق النساء والفتيات القاصرات سواء كن مسلمات أو غير مسلمات. من المخالفات الأخرى التي مارسها عناصر التنظيم هي التخريب المتعمد للمباني الحكومية وغير الحكومية كالمدارس والمؤسسات والمساجد والكنائس. إضافة لذلك، مارس الدواعش تخريبا متعمدا للآثار التي كانت من كنوزالمتاحف الوطنية والمواقع الأثرية المنتشرة في شمال-غرب العراق وشمال-شرق سوريا التي لا تقدر بثمن ومارسوا أيضا عمليات تهريب الآثار بهدف بيعها والحصول على مبالغ طائلة ذهبت لجيوب قادة التنظيم.

الجرائم المذكورة هنا والتي ارتكبها الدواعش هي غيض من فيض وصفحات قليلة من كتاب جرائم التنظيم الكثيرة الموثقة من قبل السلطات المحلية والمنظمات الدولية. ادعى الدواعش أنهم يتبعون “خلافة على منهاج النبوة” التي تغيرت من وقت إلى أخر ومن أمير إلى أخر ومن الخلافة المزعومة في العراق وسوريا إلى فروع داعش في أفريقيا وأماكن أخرى وكلها بعيدة كل البعد عن منهاج النبوة الذي يعرفه المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها. المدارس الفقهية الإسلامية أعلنت موقفها الواضح بأن جرائم التنظيم هي عبارة عن مخالفات واضحة للفقه والشريعة الإسلامية وما ادعاءات الدواعش المذكرة سوى كذب صريح بهدف تسويق فكرهم المتطرف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *